بهاء الدين الجندي اليمني

166

السلوك في طبقات العلماء والملوك

فلما دخل المغيرة صنعاء أساء إلى يعلى وأخرجه إلى عمر بوجه لا يليق ، فلما قدم يعلى والمقتول ولده أن يتحاققا فقال علي كرم اللّه وجهه إن يعلى لفقيه ، وقال عمر : إنك لقاض « 1 » ثم لبث بالمدينة سنتين . وسأل « 2 » عمر عن قوله تعالى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقلت قد أمنا فقال عمر : عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن ذلك فقال : « صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » ، ثم إن عمر أعاد يعلى على عمله فلما قدم صنعاء أحسن إلى المغيرة وجهزه إلى عمر أحسن جهاز فكان المغيرة يقول عند ذكره يعلى : خير مني حين ولي ، وحين عزل » « 3 » . وفي أيام يعلى كانت قصة أصيل ، وهي ما أورده الرازي بكتابه « 4 » بسند حذفته اختصارا ، وذلك أن رجلا من أهل صنعاء غاب عن امرأة له اسمها زينب وترك معها ابنا له من غيرها اسمه أصيل صبيّ في سن التمييز ، وكانت فاسقة ولها سبعة أخلاء فصارت تتبرّم من الصبي أن يفضحهم ، وقالت لخلّانها إن هذا الصبي فاضحنا لا محالة ، ولست آمنة أن يفضحني وإياكم ثم حسّنت لهم قتله ، ولم تزل بهم حتى دخلوا عليه وهو نائم فخنقوه حتى مات ، ثم حملوه فألقوه ببئر الديبانادى وهي بوسط غمدان خلف بئر سام بن نوح « 4 » قال الرازي ، وهي في عصرنا خراب ، وعصره في المائة الخامسة ، ثم إن المرأة أظهرت بعد ذلك فقد الصبي وجعلت تدور شوارع صنعاء راكبة على حمار وهي تقول : اللهم لا تخف عليّ من قتل أصيلا ، ثم اتصل العلم بيعلى وأن صبيا فقد لا يعلم خبره فشقّ به ذلك وساءه ، ثم صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : انظروا هل تحسّون لهذا الصبي خبرا أو يذكر لكم ؟ فلم يجبه أحد بشيء ، ثم بعد أيام مرّ رجل من أهل صنعاء بالبئر فظهر له منها ريح منتنة ، وذباب أخضر يطلع من البئر ويرجع فيها فغلب على ظنّه وجود الغلام بالبئر فذهب إلى يعلى وقال : أظنني قد قدرت على طلبتك أيها الأمير ، ثم أخبره بما وجد في البئر فبادر يعلى وركب من فوره حتى وقف برأس البئر ومعه جمع من الحفدة وأهل البلد ومن جملتهم

--> - وعمرو بن العاص ، والمغيرة هذا ، وقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ، وسعيد بن قيس الهمداني ، وكانت وفاة المغيرة سنة خمسين من الهجرة ، انظر « الإصابة » . ( 1 ) انظر الرازي ص 163 . ( 2 ) السائل يعلى بن أمية . ( 3 ) انظر عبارة الرازي ص 164 وعبارة ابن جرير الصنعاني : ليعلى خير مني الخ . . ( 4 ) انظر الرازي ص 451 ، ففي العبارات هنا تصرّف .